الثعالبي

29

لباب الآداب

حسْنَ آثارِ الوزراء وأولياء الدولة فلانٌ قدْ سافر رأيهُ وهو دانٍ لم يَنزَح ، وسار تدبيره وهو مُقيمٌ لم يبرحْ ، النجاحُ مقصورٌ على تدبيرهِ ، والصَوابُ مَقرونٌ بإمضائهِ وتقديره ، هو بين نُصْحٍ يؤثره ، وجميلٍ يؤثره ، هو مُدبرَ الأمرِ ومقدره ، ومُوْرِدُ الرأي ومُصدِرهُ ، ليس قلمُه إلا أوضحَ من السيف عُذراً وأحسن في الذبِّ عن البيضةِ أثراً قلمُه ناسجُ وَشْي المملكة ، وناظم عِقد الدولةِ ، قد سهَلَ المتَعذر ، وذلل المتَوعِّر ، وأنال البعيد ، وألان الشديد . ذِكْرُ البَطَر وكُفْران النِّعمة فلانٌ قَد أثرَى وَبَغى فاستغنى فطغى ، أرضتْهُ الموهبة فتسخطها ، وشملتهُ النِّعمة فغمطها ، انكشف منه حُسْنُ الاصطناع ، عن قبيح الامتناع ، وكثرة البرِّ عن قليل الشُّكر ، لبس ثَوبَ الخِذلان ، وجاهَرَ بالكُفر والعصيان ، وقابلَ النّعمة بالكُفران . ذكْرُ العُصاة والمخالفين قد ركبوا أضاليل الهوىَ ، وأباطيل المُنى ، ورَعَوا مراتِعَ الظنون ، ولم يروا مطالِعَ المَنون ، ما زال يوهِمُ وفاقاً ويَضْمِرُ نفاقاً ، وينشر صِدق طاعة ولاء وينشر خوافي ارتقاءٍ ، يظهر المعاضَدة ويُبْطن المعاندةَ ، ويُبدي موالاةً ، حشوها المماراة والمداهَنَةُ ، ويُظْهرُ مُشايعةَ سِرُها المداجاة والمداجنَة ، فلان يلقى أولياءنا بوجهه ، وأعداءنا بقلبه ، ويكثر لهؤلاء عن بغض سره ولهؤلاء عن حبه ، استزل الشيطان قدمه ، وعَرَض للسفكِ دمَه ، وأطال على فعله ندمه ، نزغ له شيطانُه ، وامتَدَت في البغي أشطانُه ، وجَد الشيطانُ بينهم منزغاً ، ولصائبِ سهمه فيهم منزعاً ، فلان قد عصى ، وشق العصا ، وخلع رِبقَة الطاعةِ ، وفارق ظل الجماعةِ ، فلان قد جُنَ ، وقَلَب المِجن ، قد مَدَ يداً قصيرةً ليتناول غايةً بعيدةً ، فضَ خاتمَ العافية بالغَدرِ ، وبدَدَ شملَ الخير بقلَةِ الشُكر ،